علاء يوسف: “الكلمات قوة مؤثرة في تشكيل الوعي ومواجهة الوصم المجتمعي”
#انطلقت _فعاليات _مؤتمر _”الكلمة_ بتفرق”_ الإعلامي_ لمناهضة وصم المرض النفسي والعنف ضد المرأة، بالمؤكز الثقافي الفرنسي بالمنيرة، والذي يقام بالتعاون مع مهرجان ميدفست مصر والمركز الثقافي الفرنسي ومركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) و السفارة الفرنسية بمصر
بحضور نخبة من المسؤولين والخبراء والإعلاميين والمهتمين بقضايا الصحة النفسية، حيث ناقش المشاركون دور الإعلام في تشكيل الوعي المجتمعي تجاه قضايا الصحة النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وأهمية بناء خطاب إعلامي أكثر مسؤولية وإنسانية.
واستهلت الجلسة الافتتاحية بكلمات لكل من لوكا روليه، نائب مستشار التعاون والعمل الثقافي بالسفارة الفرنسية في مصر ونائب مدير المعهد الفرنسي، والدكتور مينا النجار، مؤسس ومدير مهرجان ميدفست مصر، أعقبها كلمات رئيسية للسفير علاء يوسف، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للاستعلامات، والسفيرة نبيلة مكرم، رئيس الأمانة الفنية والمدير التنفيذي للتحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي ومؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة فاهم للدعم النفسي، و فردريك لاجرانج، مدير مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ).
نبيلة مكرم: “الكلمة قد تكون دعماً أو وصماً يضاعف الألم النفسي”
وأكد لوكا روليه اعتزاز السفارة الفرنسية بالمشاركة في المؤتمر، مشيراً إلى أن الكلمات تشكل نظرتنا إلى الآخرين وتسهم في صياغة مواقفنا من القضايا الاجتماعية المختلفة، وأن اللغة يمكن أن تكون أداة لتعزيز الفهم والشمول ومواجهة التمييز، وهو ما يجعل من المؤتمر مساحة مهمة للتفكير في أثر الخطاب الإعلامي على المجتمع.
وقال الدكتور مينا النجار، مؤسس ومدير مهرجان “ميدفست مصر”، إن علاقته بالمعهد الفرنسي لم تبدأ من خلال شراكة أو تعاون مؤسسي، وإنما تعود إلى سنوات دراسته للطب، حين كان يحضر العروض السينمائية والأنشطة الثقافية التي كانت تُقام على المسرح نفسه، وهي التجربة التي فتحت أمامه أبواباً جديدة لفهم الفن والإنسانية.
وأوضح أن مشاهدة الأفلام القصيرة للمرة الأولى لم تكن مجرد تجربة سينمائية، بل كانت مدخلاً لطرح أسئلة أعمق حول الإنسان ومعاناته وطرق التعبير عنها، مشيراً إلى أن هذه الأسئلة لا تزال حاضرة حتى اليوم، وفي مقدمتها: كيف ننظر إلى الآخرين؟ وكيف نحكي عن آلامهم؟ وأي كلمات نختار عندما نتحدث عن القضايا التي لا تُرى بالعين المجردة؟

وأضاف أن هذه التساؤلات كانت الشرارة الأولى التي انطلق منها مهرجان “ميدفست مصر”، الذي لا يقتصر على تقديم الأفلام، بل يسعى إلى استخدام السينما كأداة للحوار حول الصحة النفسية والصحة الجسدية والعنف والوصمة الاجتماعية. وأكد أن المهرجان يعمل على إتاحة مساحات للنقاش حول القضايا التي غالباً ما يتم تجاهلها أو الصمت عنها، مع التركيز على رؤية الإنسان الكامن خلف المرض أو الأزمة أو الخبر.. وأشار النجار إلى أن المهرجان، منذ انطلاقه عام 2017، شهد توسعاً ملحوظاً، حيث نظم نوادي سينما في عدد من المحافظات، ودرب عشرات القادة الثقافيين للعمل داخل مجتمعاتهم المحلية، ووصل بأنشطته إلى أكثر من 12 محافظة، بينها مدن لا تمتلك دور عرض سينمائي. كما نجح في جمع صناع الأفلام والمتخصصين في الصحة النفسية والمعالجين على طاولة واحدة، ووصلت فعالياته إلى أكثر من 35 ألف مستفيد.
وأوضح أن الرحلة لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن النسخة الثامنة من المهرجان ستقام خلال الفترة من 10 إلى 14 سبتمبر المقبل تحت عنوان “ما وراء المشهد” في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، بهدف مواصلة النقاش حول القضايا الإنسانية والصحية من خلال الفن والسينما.
وأكد أن مؤتمر “الكلمة بتفرق” يمثل خطوة مهمة نحو بناء خطاب إعلامي أكثر إنسانية ومسؤولية في تناول قضايا الصحة النفسية والعنف ضد المرأة، لافتاً إلى أن التعاون بين مهرجان “ميدفست مصر” ومركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) والمعهد الفرنسي في مصر لا يقتصر على تنظيم فعالية واحدة، بل يهدف إلى تأسيس شراكة طويلة المدى تسهم في تطوير لغة إعلامية أكثر وعياً وتأثيراً.
ووجه النجار الشكر إلى المعهد الفرنسي والسفارة الفرنسية ومركز “سيداج” وجميع الشركاء والمشاركين في المؤتمر، مثمناً دعمهم لهذه المبادرة.
كما خص الإعلاميين وصناع الصورة برسالة مباشرة، مؤكداً أن دورهم يتجاوز مجرد تغطية الحدث، لأن الكلمات والصور التي يختارونها قادرة على الوصول إلى آلاف الأشخاص والتأثير في تصوراتهم ومواقفهم. وأضاف أن كل صورة وكل كلمة تُنقل من داخل القاعة قد تترك أثراً لدى أشخاص يعيشون تجارب مشابهة لتلك التي يناقشها المؤتمر، ولذلك فإن الإعلاميين ليسوا مجرد ناقلين للحدث، بل شركاء في صناعة أثره ورسائله، وهو ما يجعل مسؤولية الكلمة والصورة أكثر أهمية في تشكيل الوعي المجتمعي..
وقال السفير علاء يوسف إن عنوان المؤتمر “الكلمة بتفرق” يعكس حقيقة أساسية مفادها أن الكلمات ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما قوة مؤثرة في تشكيل الوعي العام وصياغة المفاهيم والتأثير في السلوك الفردي والمجتمعي، مشيراً إلى أن مسؤولية الإعلام تزداد أهمية عند تناول قضايا ترتبط بشكل مباشر بكرامة الإنسان وحقوقه، وفي مقدمتها الصحة النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
وأوضح أن استمرار بعض المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالصحة النفسية لا يزال يدفع كثيراً من الأفراد إلى التردد في طلب الدعم أو العلاج خشية التعرض للوصم المجتمعي، كما أن التناول غير المهني لقضايا العنف ضد المرأة قد يؤدي إلى التقليل من معاناة الضحايا أو تبرير العنف الموجه ضدهن. وأكد أن الإعلام المسؤول لا يقتصر دوره على تغطية هذه القضايا، بل يمتد إلى المساهمة في تغيير النظرة المجتمعية إليها وفتح المجال أمام نقاشات أكثر وعياً وإنسانية.
وأشار إلى أن الدولة المصرية تبنت خلال السنوات الماضية مقاربة شاملة لمواجهة العنف ضد المرأة، من خلال تطوير الأطر التشريعية والسياسات العامة وتعزيز آليات الحماية والدعم والتوعية المجتمعية، موضحاً أن مصر أطلقت عدداً من الاستراتيجيات الوطنية لمواجهة العنف ضد المرأة والزواج المبكر وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث، إلى جانب تنفيذ برامج ومبادرات توعوية تستهدف نشر ثقافة احترام المرأة ورفض جميع أشكال العنف والتمييز.
وأضاف أن التجارب الدولية أثبتت أن مواجهة الوصم المرتبط بالصحة النفسية أو العنف القائم على النوع الاجتماعي لا تتحقق عبر التشريعات والسياسات فقط، وإنما تحتاج أيضاً إلى إعلام واعٍ ومسؤول وشراكة حقيقية بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والثقافية. كما شدد على أهمية الاستثمار في تدريب الإعلاميين وصناع المحتوى وتزويدهم بالأدوات اللازمة لتناول هذه القضايا بصورة مهنية تراعي أبعادها النفسية والاجتماعية والحقوقية.
وخلال كلمته، أكد فردريك لاجرانج، مدير مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ)، أن المؤتمر يمثل مساحة للحوار وتبادل الخبرات بين الباحثين والإعلاميين وممثلي المجتمع المدني والمتخصصين في الصحة النفسية، موضحاً أن المركز يعمل في مصر منذ عام 1968 ويسعى إلى فهم المجتمع المصري المعاصر من خلال الدراسات الإنسانية والاجتماعية، كما يعمل على ربط المعرفة الأكاديمية بالممارسة العملية.
وأشار إلى أن قضايا الصحة النفسية أصبحت تحظى باهتمام متزايد داخل المركز، إلى جانب موضوعات الجندر والسياسات الصحية والتحولات الاجتماعية، مؤكداً أن الصحة النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي قضيتان مترابطتان بصورة وثيقة، وأن فهمهما يتطلب دراسة السرديات والتصورات الاجتماعية التي تشكل نظرة المجتمع إليهما.
وأضاف أن الأبحاث تؤكد أن الصحة النفسية ليست قضية فردية فحسب، بل قضية اجتماعية وثقافية وسياسية تؤثر في الأفراد والأسر والمجتمعات، لافتاً إلى أن الوصم وسوء الفهم لا يزالان يمثلان عائقاً أمام حصول كثير من الأشخاص على الدعم الذي يحتاجون إليه. وأوضح أن وسائل الإعلام تؤدي دوراً محورياً في تشكيل تصورات الجمهور، حيث يمكن أن تسهم في تكريس الصور النمطية والوصم، كما يمكن أن تكون أداة لتعزيز الفهم والتعاطف وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة.
وأكد لاجرانج أن اهتمام مركز “سيداج” بالمؤتمر لا يقتصر على تنظيمه، بل يمتد إلى توثيق وتحليل النقاشات التي تطرح خلاله والاستفادة منها في إنتاج أبحاث ودراسات جديدة حول الصحة النفسية والتمثيل الإعلامي والعنف القائم على النوع الاجتماعي. كما توقف عند عنوان المؤتمر “الكلمة بتفرق”، مشيراً إلى أن الدراسات الحديثة لم تعد تنظر إلى اللغة باعتبارها أداة محايدة، بل باعتبارها عاملاً مؤثراً في تشكيل التصورات الاجتماعية، مؤكداً أن الهدف من المؤتمر هو الحوار والتعلم المتبادل وليس تقديم الدروس أو الأحكام المسبقة.
من جانبها، أكدت السفيرة نبيلة مكرم أن لكل إنسان معاركه الداخلية وتجارب حياته الخاصة التي قد يعيشها في صمت، مشيرة إلى أن الكلمة الطيبة يمكن أن تكون فارقاً حقيقياً في حياة الآخرين، وأن المجتمع يحتاج إلى وعي أكبر بأثر الكلمات التي تُقال للآخرين، خاصة لمن يمرون بأزمات نفسية أو ظروف صعبة.
وأضافت أن الكلمة قد تكون دعماً أو تشجيعاً أو مواساة أو حتى اعتذاراً، لكنها قد تتحول أيضاً إلى أداة للوصم والأذى إذا استخدمت بصورة خاطئة. وأوضحت أن المجتمع المصري يمتلك الكثير من قيم المحبة والتكافل، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى تعزيز ثقافة الإنصات والتقرب من المتألمين بدلامن التقليل من معاناتهم.
وأشارت إلى أن بعض العبارات المتداولة يومياً قد تترك آثاراً نفسية عميقة، وتدفع الأشخاص إلى الصمت والخوف من طلب المساعدة، مؤكدة أن المريض النفسي لا يجب أن يشعر باللوم أو الخجل بسبب معاناته. كما حذرت من خطورة الكلمة في العصر الرقمي، حيث يمكن لتعليق أو منشور أن يتحول بسرعة إلى مصدر للأذى النفسي أو الشائعات، داعية إلى ترسيخ ثقافة رقمية أكثر إنسانية ووعياً.
وأكدت أن الكلمة قادرة على بناء الإنسان أو جرحه، وأن المرأة التي تتعرض للوصم قد تتحول من شخص يريد الحديث عن معاناته إلى شخص يفضل الصمت خوفاً من الأحكام المجتمعية. واختتمت بالتأكيد على أن مسؤولية الكلمة هي جوهر المؤتمر، لأن الدعم النفسي يبدأ أحياناً من كلمة صادقة وإنسانية تمنح الآخرين شعوراً بالأمان والاحتواء.. بينما قالت الباحثة في مركز سيداج ياسمين الشافعي “نجتمع اليوم انطلاقاً من إيماننا بأن للكلمات أثراً، فالطريقة التي نتحدث بها عن الصحة النفسية لها أثر، والطريقة التي نصوّر بها الناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي لها أثر أيضاً. والقصص التي نرويها، والعناوين التي نختارها، والصور التي ننشرها، والسرديات التي نكررها، كلها تسهم في تشكيل فهم المجتمع لهذه القضايا”.
واضافت “لقد انطلق هذا المؤتمر من قناعة بسيطة ولكنها بالغة الأهمية، وهي أن الصحفيين والإعلاميين وصناع الأفلام ومنتجي المحتوى ليسوا مجرد مراقبين للواقع الاجتماعي، بل هم أيضاً من المساهمين في تشكيله، وكيف تُقدَّم قضايا الصحة النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي في وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، وكيف يمكن للغة أن تسهم إما في تكريس الوصم أو في تمكين الأفراد وتعزيز الفهم المجتمعي، وكيف أصبحت المنصات الرقمية تؤثر بشكل متزايد في تشكيل الرأي العام، فضلاً عن الدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام في توجيه الأفراد إلى الموارد والخدمات وأنظمة الدعم المتاحة.
لقد أعددنا أربع جلسات حوارية نأمل أن تفتح المجال أمام نقاشات ثرية ومؤثرة، تساعدنا على فهم الواقع الحالي في مصر، والتفكير في الخطوات اللازمة لسد الفجوات القائمة”.
ويُنظم المؤتمر مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) بالتعاون مع المعهد الفرنسي في مصر ومهرجان MedFest Egypt، في إطار دعم الحوار بين الإعلاميين والخبراء والجهات المعنية من أجل تطوير خطاب إعلامي أكثر وعياً وإنسانية تجاه قضايا الصحة النفسية وتمكين المرأة.
(الجلسة الاولى)
“الكلمة بتفرق”.. خبراء وإعلاميون يناقشون دور اللغة في كسر وصم المرض النفسي
انطلقت أعمال الجلسة الأولى من مؤتمر “الكلمة بتفرق” تحت عنوان : كيف تُشكّل اللغة الإعلامية وصم الصحة النفسية”، بمشاركة نخبة من المتخصصين والإعلاميين وصناع المحتوى، حيث ناقشت الجلسة الدور الذي تلعبه اللغة الإعلامية في تشكيل التصورات المجتمعية تجاه المرض النفسي، ومدى مساهمة الكلمات والعناوين وأساليب السرد في تكريس الوصم الاجتماعي أو الحد منه.
وتناولت الجلسة، التي أدارها الإعلامي وصانع المحتوى بشير شوشة، التأثير المتواصل للعوامل الثقافية والاجتماعية المتوارثة التي تجعل من الصحة النفسية موضوعًا يحيط به الصمت والتحفظ في كثير من الأحيان، كما سلطت الضوء على مسؤولية وسائل الإعلام التقليدية والرقمية في تقديم معالجة أكثر وعيًا وإنسانية لهذه القضايا. وشارك في النقاش الدكتورة منى الرخاوي، أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة ومؤسسة معهد الرخاوي، والفنانة هنا شيحة، والإعلامي والممثل شريف نور الدين، والمخرجة وصانعة الأفلام مريم الباجوري، حيث استعرضوا تجاربهم ورؤاهم حول أثر الصورة والكلمة في تشكيل وعي الجمهور بقضايا الصحة النفسية.

بشير شوشة:” انتقلنا من وصف المرض النفسي بالجنون إلى الحديث عنه بوعي أكبر”
واستهل بشير شوشة الحوار بالحديث عن كيفية تشكل الأفكار من خلال الحوارات المجتمعية، مشيرًا إلى أن المرض النفسي كان يُوصم في السابق بالجنون، ثم بدأ الحديث عنه بشيء من التحفظ، بينما أصبح اليوم يتم تسليط الضوء على كل اضطراب أو مرض نفسي بشكل منفصل، معتبرًا أن ذلك يعكس تطورًا إيجابيًا وأن المجتمع يسير في الاتجاه الصحيح نحو مزيد من الوعي والانفتاح.
وفي ردها على سؤال حول الفرق بين الصحة النفسية والمرض النفسي، أوضحت الدكتورة منى الرخاوي أن الصحة النفسية هي الحالة الطبيعية التي تمكّن الإنسان من مواجهة الحزن والألم وممارسة حياته الاجتماعية بصورة طبيعية، بينما يمثل المرض النفسي الجانب الآخر، بوصفه حالة مرضية أو معاناة تؤثر على الفرد أو المحيطين به. وأضافت أن الصحة النفسية لا تعني غياب الألم أو المشكلات، بل القدرة على التعايش معها وإدارة الحياة بشكل متوازن.
وتحدثت الفنانة هنا شيحة عن فيلم “32B”، موضحة أنه يتناول العلاقة بين أب وابنته المراهقة، حيث يكتشف الأب أنه رغم قربه منها لا يمتلك اللغة المناسبة للتواصل معها في أبسط الأمور. وأشارت إلى أن الفيلم، الذي حصد جائزة من مهرجان ترايبكا، يسلط الضوء على أهمية التواصل داخل الأسرة، خاصة في ظل غياب الوعي الكافي لدى كثير من الأسر للتعامل مع مثل هذه القضايا.
وأضافت أن الفن يعد من أبسط وأقوى الوسائل لإيصال الموضوعات الحساسة والمعقدة إلى الجمهور، لأنه يطرحها بصورة غير مباشرة، على عكس الخطاب المباشر الذي قد يكون منفّرًا للبعض.
ومن جانبها، قالت المخرجة مريم الباجوري إنها تحرص في أعمالها على تقديم الدراما باعتبارها وسيلة لفهم الإنسان وليس لإصدار الأحكام أو تقديم المواعظ. وأوضحت أن مسلسل “Midterm” تناول مجموعة من الشباب الذين يواجهون ضغوطًا نفسية مختلفة، بينما يعاني أحدهم من الكذب المرضي، مؤكدة أن الهدف كان توضيح الفروق بين الضغوط النفسية والأمراض النفسية من خلال السرد الدرامي بعيدًا عن التنميط أو الأحكام المسبقة.
بدوره، أكد الإعلامي والممثل شريف نور الدين أن لكل وسيلة إعلامية طبيعتها الخاصة وطريقة مختلفة في مخاطبة الجمهور، موضحًا أن المعالجة المباشرة في البرامج تختلف عن المعالجة الدرامية التي تعتمد على أدوات فنية للوصول إلى المتلقي.
وأضاف أن هناك صحوة حقيقية فيما يتعلق بالصحة النفسية، سواء من خلال المبادرات المختلفة أو عبر الأعمال الدرامية، وهو ما أسهم في زيادة وعي الجمهور ودفعه للبحث والتعرف على تفاصيل هذه القضايا بصورة أكبر.
وأكدت الدكتورة منى الرخاوي أن هناك العديد من القضايا التي تحتاج إلى مزيد من العمل والتوعية، ومنها كيفية تواصل الأهل مع أبنائهم، والتثقيف الجنسي، ومهارات التعامل مع الضغوط النفسية.
فيما أشار شريف نور الدين إلى أن سهولة الوصول إلى المعلومات عبر الإنترنت أدت إلى لجوء البعض إلى تشخيص أنفسهم أو الآخرين دون الرجوع إلى متخصصين، وهو ما قد يؤدي إلى فهم خاطئ للحالات النفسية. وشدد على أهمية التوعية بضرورة استشارة المختصين وعدم التسرع في إطلاق التشخيصات.
وقالت مريم الباجوري إنها تعمدت خلال مسلسلها إظهار الشخصيات وهي تلجأ إلى “شات جي بي تي” للبحث عن إجابات، باعتبار أن هذا يعكس سلوكًا متزايدًا لدى كثير من الناس الذين أصبحوا يعتمدون على الإنترنت ومحركات البحث في محاولة لفهم مشكلاتهم النفسية.
وأوضحت هنا شيحة أن الممثل يحتاج إلى دراسة الشخصية بصورة كاملة، وفهم ماضيها ودوافعها النفسية حتى يتمكن من تجسيدها بشكل صادق. واستشهدت بتجربتها في مسلسل “السبع وصايا”، مؤكدة أن الشخصية كانت بعيدة عنها تمامًا، ما تطلب منها جهدًا كبيرًا لفهمها والدخول إلى عالمها النفسي، كما احتاجت لاحقًا إلى تعلم كيفية الفصل بين الشخصية وحياتها الخاصة.
وأكدت مريم الباجوري رفضها استخدام المرض النفسي كمادة للسخرية أو “الإفيهات” داخل الأعمال الدرامية، مشيرة إلى أن الدراما يجب أن تسهم في بناء الوعي، وأن تقدم المرض النفسي باعتباره جزءًا من تجربة الإنسان وليس تعريفًا كاملًا له.
وعن تناول الصحة النفسية في الإعلام، أوضح شريف نور الدين أنه يحرص على البحث الجيد قبل مناقشة أي قضية، لافتًا إلى وجود انفتاح مجتمعي أكبر في الحديث عن الصحة النفسية خلال السنوات الأخيرة، وظهور أشخاص لديهم الشجاعة للحديث عن تجاربهم الشخصية، وهو ما أسهم في كسر الكثير من الحواجز المرتبطة بالوصمة.
وأضاف أن قضايا الصحة النفسية والعنف الأسري والعنف ضد المرأة أصبحت حاضرة بقوة في الإعلام والدراما والمبادرات المجتمعية، وهو ما ساعد على رفع مستوى الوعي لدى الجمهور وقالت هنا شيحة إن من أهم مزايا الدراما أنها تكشف الحقائق التي قد يعتاد الناس على اعتبارها أمورًا طبيعية. وأوضحت أن كثيرًا من الأشخاص لا يدركون أنهم يتعرضون للعنف أو التحرش أو التعدي على حرياتهم بسبب اعتيادهم على هذه الممارسات، مؤكدة أن الدراما يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في إعادة تعريف الحدود الصحية للعلاقات الإنسانية.
وتحدثت الدكتورة منى الرخاوي عن بعض النماذج السينمائية القديمة، مشيرة إلى أهمية تقديم الشخصيات التي تعاني من اضطرابات نفسية دون إساءة أو تنميط، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية الإبداع. وأكدت ضرورة وجود إطار يحترم الرسالة الإنسانية للعمل الفني ويقدم المعلومات التي تخدم القضية المطروحة.
وأضاف شريف نور الدين أن بعض الأعمال السينمائية القديمة ناقشت هذه القضايا في أوقات كان الوعي المجتمعي بها أقل بكثير مما هو عليه اليوم، معربًا عن أمله في استمرار تطوير الصورة التي تقدمها الدراما عن المرض النفسي والطبيب النفسي.
وعن القضايا التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام، قالت الدكتورة منى الرخاوي إن إدمان الإنترنت والمقامرة الإلكترونية من أبرز التحديات التي تواجه الأجيال الجديدة، محذرة من الآثار النفسية والاجتماعية المرتبطة بها.
من جانبها، أكدت مريم الباجوري أهمية التطرق إلى المشكلات المرتبطة بالألعاب الإلكترونية وإدمانها، مشيرة إلى أنها تفضل دائمًا الانطلاق من الإنسان وقصته الشخصية عند تناول أي قضية، والاستماع إلى تجارب من يعيشون المشكلة قبل اللجوء إلى التفسير الطبي، لأن الحكاية الإنسانية تظل المدخل الأهم لفهم هذه القضايا.
ويُنظم المؤتمر مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) بالتعاون مع المعهد الفرنسي في مصر ومهرجان MedFest Egypt، في إطار دعم الحوار بين الإعلاميين والخبراء والجهات المعنية من أجل تطوير خطاب إعلامي أكثر وعيًا وإنسانية تجاه قضايا الصحة النفسية وتمكين المرأة.
(الجلسة الثانية)
“قصتها هي”.. متحدثون بـ«الكلمة بتفرق»: الحكي بداية التعافي والإعلام شريك في مواجهة العنف ضد المرأة
انطلقت أعمال الجلسة الثانية من مؤتمر “الكلمة بتفرق ” تحت عنوان “قصتها هي… كيف يسرد الصحفيون العنف القائم على النوع الاجتماعي في وسائل الإعلام”، حيث ناقشت الجلسة تأثير التناول الإعلامي لقضايا العنف ضد المرأة على الناجيات والناجين، ودور الصحافة والإعلام في تشكيل الوعي المجتمعي تجاه هذه القضايا، مع التركيز على العلاقة بين الصحة النفسية وسرديات العنف القائم على النوع الاجتماعي في وسائل الإعلام التقليدية والرقمية.
وأدارت الجلسة الصحفية والمحررة الثقافية داليا شمس، بمشاركة ألفت علام، استشارية العلاج النفسي وخبيرة شؤون الجندر والنوع الاجتماعي، وسالي ذهني، مديرة وحدة الاتصال بالمفوضية السامية للأمم المتحدة للسكان، وشيري رمسيس، المديرة التنفيذية لجمعية الفن للتنمية (مادمس)، والإعلامية آية شعيب.
وتناول النقاش أهمية تقديم روايات إعلامية تراعي التجارب الإنسانية للناجيات والناجين، وتبتعد عن الوصم أو إعادة إنتاج الصور النمطية، بما يسهم في خلق مساحة أكثر أمانًا لفهم المعاناة والتعامل معها ودعم المتأثرين بالعنف القائم على النوع الاجتماعي.
آية شعيب: “وصم النساء يدفع كثيرات إلى الصمت والتراجع عن التعبير”
قالت آية شعيب إنه يجب التفريق بين أنواع منصات التواصل الاجتماعي؛ فهناك صفحات تعبر عن آراء منظمات حقوقية أو تقدم محتوى توعويًا للمرأة، وهناك صفحات إخبارية لا تجد حرجًا في استغلال التفاصيل من أجل صناعة حالة من الترويج أو الإثارة، إلى جانب الصفحات الشخصية. وأكدت أنها لا ترى نموذجًا يؤدي دوره بصورة كاملة، مشيرة إلى أن أي امرأة تتحدث في أي قضية تتعرض لنوع من الأذى.
وتساءلت داليا شمس عما إذا كان حجم الهجوم والضغط قد ازداد، فأوضحت آية أن الحديث في موضوعات لا تمتلك معرفة كافية بها قد يعرضها للهجوم، لكن المشكلة الأكبر تكمن في الوصم، إذ تُوصم المرأة التي تتحدث في هذه القضايا بصفات مختلفة مثل “النسوية” أو “الناشز”، وهو ما يدفع كثيرات إلى التراجع عن التعبير عن آرائهن. وأضافت أنها شخصيًا لم تتراجع بسبب الضغوط، معتبرة أن بعض الأشخاص يهاجمون من الزاوية التي يرونها فقط.
وقالت الدكتورة ألفت علام إنها تحدد ما إذا كانت المرأة ضحية أم ناجية وفقًا للمرحلة التي تمر بها، موضحة أن الناجية تكون واعية بالمشكلة وتتخذ خطوات حقيقية للتعامل مع ما مرت به. وأضافت أن بعض النساء يظللن عالقات في الدائرة نفسها لفترات طويلة، مستشهدة بشخصية “نيللي” في مسلسل “لام شمسية”.
وأشارت إلى أن المرأة كثيرًا ما تلوم نفسها وتحمل ذاتها مسؤولية ما حدث لها، وأن هناك صوتًا داخليًا يدفعها للاعتقاد بأنها السبب فيما تعرضت له. لكن عندما تواجه موقفًا فارقًا، تبدأ في مراجعة ما مرت به، وهنا تبدأ رحلة الانتقال من موقع الضحية إلى موقع الناجية، من خلال التعلم من التجارب السابقة والخروج من دائرة الصمت والعذاب الداخلي.
وعلقت داليا شمس بأن بداية طريق التعافي تتمثل في مصارحة أنفسنا بأننا لسنا مسؤولين عما حدث لنا في الماضي.. وأضافت ألفت أن الإعلام يقع على عاتقه دور مهم في تفكيك المفاهيم الراسخة، إلا أن الإعلام والدراما يساهمان أحيانًا في ترسيخ بعض الصور السلبية. وأوضحت أن كثيرًا من النساء يفضلن الصمت بسبب ردود الفعل التي يواجهنها، مثل: “إنتِ كنتِ لابسة إيه؟” أو “إيه اللي وداكي هناك؟”، وهو ما يدفع الكثيرات إلى عدم الإفصاح عما تعرضن له.

وأشارت داليا شمس إلى مسرحية “حل الضفائر” التي قدمتها سالي ذهني، والتي تناولت بعض الموروثات الذكورية بأسلوب ساخر.
وقالت سالي إنها حكاءة في الأصل، وأدركت أن النساء كثيرًا ما يُقدمن في الأعمال الفنية كوسيلة للترفيه أو السخرية، لذلك سعت إلى تقديم قصص خفيفة وقريبة من الجمهور. وأوضحت أن “حل الضفائر” كتبها مجموعة من المشاركين بعد نقاشات طويلة، واعتمدت على فكرة ساخرة تدور حول فتاة تشعر بالملل وتعثر على كتاب سحري يحقق لها أمنيات مرتبطة بمواقف من التحرش والسيطرة والهيمنة، مؤكدة أن ما منح العمل قوته هو أنه عكس تجارب أصحاب القصص أنفسهم.
وعن مشهد التحرش الجنسي وتحميل الناجية مسؤولية ما تعرضت له، قالت سالي إن ذلك يعكس الواقع المؤلم الذي نعيشه، موضحة أن الإعلام، رغم تنوعه، ليس أداة للتعافي النفسي. وأضافت أن التركيز غالبًا ما ينصب على ما يُقال عن الناجية أكثر من التركيز على ما تعرضت له، وهو ما يجعلها في نظر كثيرين مجرد قصة لا إنسانة لها مشاعر وحقوق.
وأضافت أن النساء عندما يشغلن مساحة في المجال العام يتعرضن للسخرية أو التنكر، مؤكدة أنها مرت بهذه التجربة بنفسها، وأن طريقة التعامل مع هذه الضغوط تختلف تبعًا للعمر والخبرة. كما أعربت عن سعادتها بالحراك المتزايد في مصر للتوعية بالعنف الإلكتروني، معتبرة أنه من أهم القضايا التي تستحق تسليط الضوء عليها.. وأكدت الدكتورة ألفت أن العاملين في المجال الإنساني يتعرضون لضغوط كبيرة نتيجة ما يسمعونه ويعيشونه يوميًا من معاناة الآخرين، في الوقت الذي قد لا يدركون فيه حاجتهم إلى حماية صحتهم النفسية. وشددت على أهمية وضع حدود واضحة بين المساعد والمتلقي حتى يتمكن من تقديم الدعم دون أن يستنزف نفسيًا.
وتساءلت داليا شمس: كيف يمكن للميدان أن يكون أداة للتغيير؟ فأجابت شيري رمسيس أن الإبداع بالنسبة لها هو الحرية، وكلما أُتيحت للإنسان فرصة أن يكون حرًا كان ذلك مدخلًا حقيقيًا للتغيير. وأوضحت أن الجمعية تعمل مع مختلف أطياف المجتمع، وتستخدم الفن كوسيلة للحكي والتعبير، مشيرة إلى أن طريقة تقديم القضايا تختلف من عمل إلى آخر، وأن الجمهور يقترب من الرسائل المطروحة من خلال أبطال الحكايات والأفلام، حتى عندما تتناول موضوعات شائكة مثل الصحة النفسية والعنف ضد المرأة والاتجار بالبشر.
وأضافت أن مشروع “احكي يا نون” يرتبط بفكرة “احكي يا شهرزاد”، لأن شهرزاد كانت تحكي كل يوم حتى لا تموت، موضحة أن الهدف من المشروع هو التأكيد على أهمية أن تحكي النساء قصصهن حتى لا يمتن صمتًا. وأكدت أن الحكي والكتابة يمثلان بداية حقيقية لإدراك الإنسان لما يمر به، وعندما يروي قصته ويسمعه الآخرون يبدأ الدعم وتبدأ معه رحلة التعافي.
وقالت شيري إن فيلم “سرجي مرجي” يتناول قضية الاتجار بالبشر، وكيف تتعرض بعض الفتيات للاستغلال والاتجار بهن في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة. وأوضحت أن الفيلم يستند إلى قصص واقعية، وأنهم يعملون على رفع الوعي بهذه القضية من خلال الأفلام والنقاشات المصاحبة لها بهدف الوقاية والتوعية.
وعقب ذلك، تم عرض فيلم “قبل الأوان” لمدة دقيقتين، وهو فيلم يتناول قضية العنف ضد المرأة، وقد حاز جائزة في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة.. وتساءلت داليا شمس عن كيفية صناعة محتوى يعبر عن هذه القضايا بعيدًا عن التنميط والأفكار المسبقة، فقالت آية شعيب إن مشكلات النساء ليست واحدة في جميع الطبقات الاجتماعية. وأضافت أن هناك نبرة عنف شديدة ضد النساء عندما يتحدثن في قضايا المرأة، مؤكدة أنه من وجهة نظرها يجب ألا يكون الخطاب عدائيًا أو وعظيًا تجاه الرجل، لأن ذلك يزيد من الاحتقان.
وأشارت إلى أن الرجل أيضًا يواجه مشكلات وتحديات مختلفة، وأن طريقة تناول هذه القضايا تمثل جزءًا من المشكلة، كما أن بعض أشكال الخطاب النسوي قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية وتزيد من حدة الاستقطاب. وشددت على أنه لا يمكن الحديث عن صحة المرأة بمعزل عن الرجل والعكس صحيح، داعية إلى تبني خطاب أكثر توازنًا ينظر إلى جذور المشكلة.
وقالت الدكتورة ألفت علام إن الحكي أو البوح يمثل بداية حقيقية للتعافي، موضحة أن الدراسات الحديثة تؤكد أن الإنصات للأشخاص ومنحهم مساحة آمنة للحديث يسهم في حل الكثير من المشكلات النفسية.
وأضافت أنها تتابع بعض الأعمال الدرامية الأجنبية لمعرفة ما إذا كانت المشكلات تختلف من مجتمع إلى آخر، مشيرة إلى أنها اكتشفت وجود تشابهات كبيرة، لأن احتياجات البشر الأساسية واحدة في مختلف أنحاء العالم، كما أنهم يشتركون في المشاعر الإنسانية، بينما يبقى الاختلاف في طرق التناول مرتبطًا بالثقافة السائدة في كل مجتمع.
وتحدثت سالي ذهني عن أهمية وجود ميثاق إعلامي يتضمن مبادئ واضحة للتعامل مع قضايا العنف ضد المرأة، معربة عن أمنيتها في أن يتم تبني مثل هذا الميثاق.
وأكدت أن وسائل الإعلام تنقل يوميًا قصصًا عن التعنيف والانتهاكات، لكن التركيز غالبًا لا يكون على مرتكب الفعل، بل يتحول إلى الضحية نفسها، ما يؤدي إلى وصمها بدلًا من دعمها. وأضافت أن هذه المبادئ يجب أن تكون واضحة وأن يتلقى العاملون في المجال الإعلامي تدريبًا عليها، مع التركيز على الجاني وما إذا كان قد تعرض للمحاسبة والعقاب، لأن ذلك يغير طبيعة السردية الإعلامية. وأعربت عن أملها في أن يصبح الإعلام مساحة للوعي والتثقيف تساعد الناس على معرفة كيف يتحدثون عن هذه القضايا.
وقالت شيري رمسيس إنه رغم وجود قدر من الإحباط أو الكآبة في بعض الأحيان، فإن هناك اليوم منصات عديدة تتيح للناس التعبير عن أنفسهم. وأشارت إلى أنها ترى تطورًا إيجابيًا في طريقة تناول الصحة النفسية، موضحة أن الحديث عنها كان في السابق مجرد “ترند”، بينما أصبح اليوم هناك توجه أكثر جدية نحو التعامل مع المرض النفسي والتوتر بصورة علمية تحترم كرامة الإنسان.
وأضافت أن التغيير الحقيقي يظهر عندما يدرك الناس مشكلاتهم ويبدأون في اتخاذ خطوات عملية للتعامل معها.
وقالت الدكتورة ألفت علام إن الغضب الذي يظهر لدى الأجيال الجديدة هو تعبير عن وجودها ورغبتها في التغيير، مشيرة إلى أن النساء يقمن بحراك مهم داخل المجتمع حتى وإن أزعج ذلك بعض الأطراف.
وشهدت الجلسة نقاشًا مفتوحًا مع الحضور، حيث تحدثت إحدى المشاركات عن أهمية توعية الرجال بمفهوم الاغتصاب الزوجي، بينما تناولت مشاركة أخرى قضية صمت النساء والخوف من الحديث بسبب الاعتقاد بأن الإفصاح عما يتعرضن له قد يؤدي إلى هدم الأسرة.
كما أكدت ياسمين شافعي أهمية الدور الذي يلعبه الإعلام في توفير مساحة آمنة للنساء للحديث عن تجاربهن دون لوم أو إدانة، فيما تساءلت إحدى الحاضرات عن أسباب تصاعد العنف بين الأجيال الجديدة، بينما شددت مشاركة أخرى على الحاجة إلى قنوات آمنة تتيح للناس التعبير عن أنفسهم دون خوف من التعرض لمزيد من العنف أو الوصم.. وقالت الدكتورة ألفت علام إن العنف ضد المرأة غالبًا ما يُختزل في الضرب الجسدي فقط، بينما توجد أشكال أخرى من العنف قد لا يدركها كثيرون، ومنها الاغتصاب الزوجي. وأضافت أن المسؤولية تقع على المجتمع بأكمله، لكن الإشكالية ترتبط أيضًا بمن يمتلك السلطة داخل البنية الاجتماعية، مشيرة إلى أن ثقافة تمجيد المرأة الصامتة والمتحملة تخلق ديناميكيات سلبية داخل الأسرة وتُبقي جذور المشكلة قائمة.
وقالت آية شعيب إن الخطاب الديني والنسوي والإعلامي يحتاج إلى مراجعات وتطوير مستمر، نظرًا لتأثيره الكبير في تشكيل وعي المجتمع.
وأكدت شيري رمسيس أن العمل يجب أن ينصب على الإنسان في المقام الأول، مشيرة إلى أن العنف لا يقتصر على الرجال ضد النساء فقط، بل توجد أيضًا صور مختلفة من العنف تمارسها النساء ضد بعضهن البعض، وهو ما يتطلب مزيدًا من العمل والتوعية.
فيما أعربت سالي ذهني عن أملها في تغيير المفاهيم المرتبطة بكلمة “راجل” ومعنى الرجولة في المجتمع، مؤكدة أن دور المرأة داخل الأسرة والمجتمع شهد تغيرات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأن الاهتمام بالصحة النفسية يجب أن يحظى بالأولوية نفسها التي تحظى بها الصحة الجسدية.
ويُنظم المؤتمر مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) بالتعاون مع المعهد الفرنسي في مصر ومهرجان MedFest Egypt، في إطار دعم الحوار بين الإعلاميين والخبراء والجهات المعنية من أجل تطوير خطاب إعلامي أكثر وعيًا وإنسانية تجاه قضايا الصحة النفسية وتمكين المرأة.
(الجلسة الثالثة)
بين التريند والواقع”.. خبراء وإعلاميون يناقشون تأثير المحتوى الرقمي على الصحة النفسية ومخاطر فوضى المعلومات
انطلقت أعمال الجلسة الثالثة من مؤتمر “الكلمة بتفرق” تحت عنوان “بين التريند والواقع: كيف يؤثر المحتوى الرقمي على الصحة والوعي النفسي”، حيث ناقشت الجلسة التأثير المتزايد للمحتوى الرقمي المتعلق بالصحة النفسية على وعي الجمهور، خاصة بين الأجيال الشابة التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على منصات التواصل الاجتماعي والبودكاست ومحتوى يوتيوب وتيك توك كمصادر رئيسية للمعلومات.
وأدارت الجلسة الأخصائية النفسية هبة خالد، بمشاركة مينا النجار، الممثل والناشط في مجال الصحة النفسية، والإعلامية دينا عبد الكريم، ورغدة السيد، مؤسسة ورئيسة تحرير منصة “النساء” (El-Shai)، ومريم فرج، الخبيرة الإعلامية والمؤلفة. وتناول النقاش المسؤوليات المهنية والأخلاقية لصناع المحتوى والمؤثرين، والمخاطر المرتبطة بانتشار المعلومات غير المتخصصة، إلى جانب دور المحتوى الرقمي في تعزيز الوعي بالصحة النفسية أو ترسيخ المفاهيم المغلوطة حولها وتساءلت هبة خالد عن تأثير وسائل الإعلام الرقمية التي أصبحت مصدرًا مهمًا للمعلومات المتعلقة بالصحة النفسية، فردت دينا عبد الكريم بأن هذه الوسائل أصبحت بالفعل مصدرًا أساسيًا للمعلومات، لكن مدى موثوقية ما تقدمه يتوقف على المتلقي وقدرته على التحقق من المصادر. وأضافت أن التطور الكبير في المنصات الرقمية أتاح لأي شخص يمتلك القدرة على الظهور أمام الكاميرا أن يصبح صانع محتوى، وهو ما أدى إلى حالة من الفوضى المعلوماتية، مؤكدة أهمية التحقق من مصادر المعلومات قبل تصديقها أو تداولها.
من جانبه، تحدث مينا النجار عن حالة الفوضى المعلوماتية، متسائلًا: من هو المؤثر الحقيقي؟ موضحًا أن المحتوى غير الدقيق قد يُقدَّم بأساليب جذابة تجعله أكثر انتشارًا، رغم افتقاره للمصداقية. وأكد أن الفنان دوره الأساسي يتمثل في خدمة العمل الدرامي وإيصال رؤية المؤلف والمخرج إلى الجمهور.
وقالت مريم فرج إن خوارزميات المنصات الرقمية لا تهتم بجودة المحتوى أو دقته، بل تعتمد على التفاعل والانتشار. وأشارت إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في التحقق من المعلومات، خاصة مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي الذي جعل التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصنوع أمرًا أكثر صعوبة. وأضافت أن كثيرًا من الأشخاص غير المتخصصين يقدمون معلومات يتلقاها الجمهور باعتبارها حقائق، وهو ما يشكل خطرًا أكبر عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين الذين يتعرضون لهذا المحتوى دون رقابة كافية. كما لفتت إلى أن بعض المستخدمين باتوا يلجؤون إلى أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها بديلًا للطبيب النفسي.
وقالت رغدة السيد إن من أخطر الظواهر المنتشرة حاليًا أن كثيرًا من الأشخاص أصبحوا يشخصون أنفسهم بأمراض نفسية اعتمادًا على ما يشاهدونه عبر الإنترنت، في حين أن بعض هذه الأعراض قد تكون جزءًا طبيعيًا من التجربة الإنسانية.
دينا عبد الكريم: “الحل ليس في المنع بل في بناء عقل نقدي قادر على التمييز”
فيما أكدت دينا عبد الكريم أن الوضع الحالي أفضل مما كان عليه في السابق، مشيرة إلى أن تناول المرض النفسي في الدراما أصبح أكثر نضجًا واحترامًا، وأن المعلومات الصحيحة ما زالت متاحة لمن يبحث عنها بشكل جاد.
وأضافت أن الخوارزميات لا تفرق بين المحتوى الجيد والسيئ، فقد تدفع للمستخدم مقاطع فيديو تتضمن أحكامًا حاسمة أو نصائح متطرفة، مثل الدعوة إلى إنهاء العلاقات بناءً على توصيفات سريعة ومختزلة. وأوضحت أنها لا تؤيد فكرة المنع أو الإغلاق، بل ترى أن الحل الحقيقي يكمن في بناء عقل نقدي قادر على التمييز بين المعلومات الصحيحة والخاطئة.
وتحدثت هبة خالد عن أهمية رفع الوعي المجتمعي، والفرق بين حرية التعبير والمسؤولية في المحتوى الذي يقدَّم عبر منصات التواصل الاجتماعي، متسائلة عن كيفية خلق جيل قادر على التمييز بين الصواب والخطأ.
وردت دينا عبد الكريم بأن هذه المسؤولية لا تقع على المؤسسات وحدها، بل تبدأ من المجتمع والأسرة أيضًا، مؤكدة أهمية تعزيز الوعي بالصحة النفسية، ومشيرة إلى أن الاهتمام بالصحة البدنية من خلال المبادرات الرياضية ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية والعقلية.
وتساءل مينا النجار عما إذا كان من الممكن أن تصبح الحسابات الموثقة أكثر موثوقية في المستقبل، فردت رغدة السيد بأن التوثيق كان يحمل هذا المعنى في السابق بدرجة أكبر مما هو عليه اليوم.
وأضاف مينا أن خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي تلتقط اهتمامات المستخدمين باستمرار، وتعيد تقديم المحتوى المرتبط بها بشكل متكرر، ما يجعل المستخدم محاصرًا أحيانًا داخل دوائر اهتمام محددة..
وأكدت مريم فرج أهمية الحوار داخل الأسرة، موضحة أن الطفل عندما يحتاج إلى الحديث يجب أن يجد من يستمع إليه دون أحكام أو نقد. وأضافت أن المشكلة تبدأ من المنزل، فإذا لم يجد الطفل مساحة آمنة للتعبير، سيلجأ إلى مصادر خارجية قد تكون غير متخصصة أو غير موثوقة.
وأشارت إلى أن الإعلام من أقوى الأدوات القادرة على التأثير في القيم المجتمعية، ولذلك تقع على العاملين فيه مسؤولية كبيرة، كما أن كل صانع محتوى يتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع. وشددت على أهمية تنمية الوعي النقدي لدى الأبناء حتى لا يصدقوا كل ما يشاهدونه أو يسمعونه.
وسألت هبة خالد رغدة السيد عن كيفية الموازنة بين تحقيق التفاعل الجماهيري والالتزام بالمسؤولية التحريرية، فأجابت رغدة أن هذا التوازن من أصعب التحديات في العمل الإعلامي، لأن الاعتبارات الاقتصادية قد تتعارض أحيانًا مع نوعية المحتوى الذي يرغب الصحفي أو صانع المحتوى في تقديمه. وأضافت أن هذا السؤال لا يزال مطروحًا بالنسبة لها حتى الآن، لأنه يتعلق بالاختيار المستمر بين ما يحقق الانتشار وما يحمل قيمة حقيقية.
كما أشارت إلى أن الجهل لا يرتبط فقط بالقراءة والكتابة، بل يمتد إلى مجالات كثيرة من المعرفة، وهو ما يفسر تصديق الجمهور أحيانًا لأشخاص غير متخصصين يقدمون أنفسهم بوصفهم مصادر موثوقة للمعلومات.
مينا النجار: “فوضى المعلومات تفرض سؤالًا مهمًا.. من هو المؤثر الحقيقي؟”
وقال مينا النجار إن العاملين في وسائل الإعلام يتحملون مسؤولية كبيرة في تشكيل الوعي. وأوضح أن الأسرة كانت في الماضي تمتلك مساحة أكبر للحوار المشترك، بينما تراجعت هذه المساحة اليوم. وأضاف أن السينما ما زالت تحتفظ بأهميتها مقارنة بالمنصات الرقمية، لأن تجربة المشاهدة الجماعية تخلق مساحة للحوار والنقاش، وهو ما يسعى مهرجان MedFest إلى تحقيقه من خلال العروض والحوارات المصاحبة للأفلام.. وقالت مريم فرج إن الأرقام وحدها لا تصنع التأثير، بل إن القصة الإنسانية هي التي تبقى في الذاكرة وتترك أثرًا طويل المدى. وأضافت أن الرسالة والمصداقية هما العنصران الأهم في أي محتوى إعلامي، داعية إلى التحقق من كل ما يُنشر أو يُتداول عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
فيما أعربت دينا عبد الكريم عن سعادتها بالنقاش، مؤكدة أن المحتوى الإيجابي ليس بالضرورة محتوى مملًا، بل يمكن تقديمه بصورة جذابة وخفيفة تضمن وصوله إلى جمهور أوسع.
وأضافت أن هناك أكثر من طريقة للتعامل مع المحتوى السلبي، سواء من خلال تجاهله أو مناقشته بشكل نقدي، مؤكدة أهمية الوعي في اختيار ما يستحق التفاعل معه.
أما رغدة السيد فقالت إنها تتمنى أحيانًا لو أمكن الاستغناء عن وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها تدرك استحالة ذلك في الوقت الراهن. وأكدت أهمية الاهتمام بالصحة النفسية للعاملين في المجال الإعلامي، مشيرة إلى أن بعض المنصات، مثل تيك توك، تنظم فعاليات ومبادرات للحديث عن الصحة النفسية. وشددت على أن الصحة النفسية يجب أن تظل أولوية تتقدم على ضغوط العمل ومتطلباته.
ويُنظم المؤتمر مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) بالتعاون مع المعهد الفرنسي في مصر ومهرجان MedFest Egypt، في إطار دعم الحوار بين الإعلاميين والخبراء والجهات المعنية من أجل تطوير خطاب إعلامي أكثر وعيًا وإنسانية تجاه قضايا الصحة النفسية وتمكين المرأة.”
“خارطة الدعم النفسي في مصر”.. خبراء بـ«الكلمة بتفرق» يدعون إلى توسيع الخدمات وتعزيز الوعي المجتمعي
انطلقت أعمال الجلسة الرابعة من مؤتمر “الكلمة بتفرق” تحت عنوان “معلومات عن خارطة خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي في مصر”، حيث جمعت الجلسة بين ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني ومتخصصين في مجال الصحة النفسية لتقديم رؤية شاملة حول الخدمات المتاحة في مصر، وآليات الإحالة والدعم، ودور المؤسسات الحكومية والأهلية في توفير الرعاية النفسية للمحتاجين إليها.
وأدار الجلسة الأخصائي النفسي وصانع المحتوى مايكل ملاك، بمشاركة الدكتورة إيمان جابر، استشاري الطب النفسي ونائب رئيس الإدارة المركزية للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان بوزارة الصحة والسكان، والدكتور نبيل القط استشاري الطب النفسي، وأيمن سبيع رئيس مجلس إدارة مؤسسة شمسية.
أيمن سبيع: “مشروع “الناصح” يربط المواطنين بالخدمات الصحية المتاحة”
وركزت المناقشات على أهمية إتاحة المعلومات المتعلقة بخدمات الصحة النفسية للجمهور، ومسؤولية الإعلاميين في توجيه المشاهدين إلى جهات الدعم المتخصصة، باعتبار ذلك جزءًا أساسيًا من التغطية الإعلامية الأخلاقية لقضايا الصحة النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب استعراض أبرز التحديات التي تواجه الوصول إلى خدمات الدعم النفسي في مصر وسبل تعزيز الوعي بها.
وسأل مايكل ملاك أيمن سبيع عن مؤسسة شمسية، فأوضح أنها مؤسسة اجتماعية غير ربحية تهدف إلى إيجاد حلول تشاركية للتحديات التي تواجه المنظومة الصحية. وأضاف أن المؤسسة تؤمن بأن الاستماع إلى المختصين وأصحاب الخبرات والمعنيين بالقضايا المختلفة هو الطريق للوصول إلى الحلول المناسبة، ولذلك تركز على الاستماع الجيد إلى احتياجات الناس أثناء تصميم البرامج والخدمات.
وأشار إلى أن المؤسسة تقدم خدمات صحية صديقة للمرأة، وبرامج متخصصة للتعامل مع العنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب مشروع “الناصح” الذي يهدف إلى تعريف المواطنين بالخدمات الصحية المتاحة وكيفية الاستفادة منها.
وأضاف أن مشروع “الناصح” يسعى إلى مساعدة المواطنين في الوصول إلى الخدمات الصحية باعتبارها حقًا من حقوقهم الدستورية، موضحًا أن كثيرًا من المواطنين يفتقرون إلى الوعي بحقوقهم الصحية، أو يواجهون صعوبات تتعلق بالإجراءات البيروقراطية أو جودة الخدمات. ومن هنا يأتي دور المشروع كوسيط يعمل على توعية المواطنين بالخدمات المتاحة ومساعدتهم على الوصول إليها والمساهمة في تحسينها.
ووجه مايكل ملاك سؤالًا إلى الدكتور نبيل القط حول مفهوم الصحة النفسية، رغم تزايد الحديث عنها عبر منصات التواصل الاجتماعي. فأوضح أن الصحة النفسية لا تعني مجرد غياب الأعراض المرضية، بل تعني أن يكون الفرد قادرًا نفسيًا على اتخاذ قرارات واعية وأن يكون فاعلًا في مجتمعه.. وأضاف أن المريض النفسي هو الشخص الذي يتم تشخيصه من قبل متخصص وفق التصنيفات والتشخيصات المعتمدة عالميًا، سواء تعلق الأمر باضطرابات الشخصية أو غيرها من الاضطرابات النفسية المعترف بها.
وعن العلاج النفسي، أوضح أن هناك العلاج الدوائي الذي يخضع للأبحاث والدراسات العلمية ويحصل على اعتماد الجهات والمنظمات المختصة، إلى جانب العلاج النفسي الذي يضم آلاف المدارس والأساليب المختلفة. وأشار إلى أن العلاج النفسي المبني على الدليل العلمي هو الذي تثبت الدراسات الإكلينيكية المنضبطة فعاليته مقارنة بالعلاجات الوهمية، لافتًا إلى أن مدارس مثل العلاج الجدلي السلوكي، وعلاج المخططات، ونظام العائلة الداخلية (Internal Family Systems)، تعد من بين النماذج التي تستند إلى أدلة علمية.
د. نبيل القط: “الصحة النفسية قضية أمن قومي وواحد من كل أربعة قد يواجه اضطرابًا نفسيًا”

وأضاف الدكتور نبيل أن بعض المدارس العلاجية غير المعتمدة قد تكون ضارة، مشيرًا إلى أن تقنين هذا المجال يتطلب رفع مستوى الوعي لدى الجمهور وفهم طبيعة ما يُقدَّم من خدمات نفسية.
من جانبها، أكدت الدكتورة إيمان جابر أنه في حال استخدام أساليب أو مدارس علاجية غير معتمدة، فيجب إبلاغ المريض بذلك وترك حرية الاختيار له. وأوضحت أن هناك بعض الممارسات مثل “العلاج بالصراخ” قد تحقق نتائج لدى بعض الأشخاص، لكنها لا تُعد من المدارس العلاجية المعتمدة، مؤكدة ضرورة الاعتماد على مناهج علاجية تستند إلى أدلة علمية.
وقال الدكتور نبيل القط إن واحدًا من كل أربعة أشخاص قد يتم تشخيصه باضطراب نفسي في مرحلة ما، بينما لا يحصل كثير منهم على العلاج المناسب. وأضاف أن عدد الأطباء النفسيين في مصر لا يزال محدودًا، إذ يقل عن ألف طبيب نفسي، بمعدل طبيب واحد تقريبًا لكل 120 ألف مواطن.وأوضح أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد المتخصصين، بل أيضًا بتركز الخدمات النفسية في أماكن محدودة، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، فضلًا عن ندرة الجمعيات الأهلية العاملة في مجال الصحة النفسية. وأضاف أن التكامل بين القطاعين الحكومي والأهلي يمثل شرطًا أساسيًا لإحداث نقلة حقيقية في الخدمات المقدمة.
وأوضحت الدكتورة إيمان جابر أن القانون المصري يفصل بين الجهة الرقابية والجهة المقدمة لخدمات الصحة النفسية. وأشارت إلى أن الدخول الإلزامي للمستشفى النفسي يقتصر على الحالات التي لا تدرك طبيعة مرضها وتشكل خطرًا على نفسها أو المجتمع، مع وجود آليات رقابية تضمن عدم إساءة استخدام هذه الإجراءات.
وأضافت أن الخروج الإرادي أصبح مرتبطًا باستكمال الخطة العلاجية أو زوال الخطورة، على عكس ما كان يحدث في الماضي عندما كان الأمر يتطلب موافقة الأهل، وهو ما أدى سابقًا إلى بقاء بعض المرضى فترات طويلة داخل المستشفيات النفسية.
كما أوضحت أن الطبيب النفسي يجب أن يكون حاصلًا على درجة الماجستير، مشيرة إلى أن عدد المتخصصين المؤهلين لا يزال محدودًا، وأن هناك أطباء كثيرين يغادرون البلاد بعد انتهاء تدريبهم.
وسأل مايكل ملاك عن كيفية وصول المواطنين إلى خدمات الأمانة العامة للصحة النفسية، فأوضحت الدكتورة إيمان جابر أن الخدمات متاحة عن بُعد عبر المنصة الوطنية للصحة النفسية، حيث يمكن حجز مواعيد مع الأطباء والأخصائيين، بالإضافة إلى الخط الساخن الذي يقدم الدعم الفوري والإرشاد بشأن الخدمات المتاحة، فضلًا عن خدمات الطوارئ.
وأضافت أن تعزيز الوعي بالصحة النفسية ضرورة ملحة، مؤكدة أهمية وجود تشريعات تنظم ممارسة الاستشارات النفسية وتمنع غير المختصين من تقديمها، لما لذلك من مسؤولية مباشرة تجاه المجتمع.
د. إيمان جابر: “نحتاج إلى تشريعات تمنع غير المختصين من تقديم الاستشارات النفسية”
وسأل مايكل ملاك عن خارطة خدمات الصحة النفسية التي أعدتها مؤسسة شمسية، فأوضح أيمن سبيع أن هناك احتياجات كبيرة غير ملباة، خاصة في المحافظات البعيدة عن القاهرة التي تفتقر إلى كثير من الخدمات المتخصصة. وأضاف أن مصر لا تزال بحاجة إلى توسع أكبر في إتاحة خدمات الصحة النفسية، مستعرضًا عددًا من الخدمات الحكومية المتاحة وبعض الإحصاءات المتعلقة بها.
وقال الدكتور نبيل القط إن الصحة النفسية قضية أمن قومي، مشيرًا إلى الحاجة إلى مزيد من المبادرات والمؤسسات الداعمة للصحة النفسية، على غرار ما تحقق في مجالات الرعاية الصحية الجسدية من خلال المبادرات الأهلية المختلفة.
من جانبها، أوضحت الدكتورة إيمان جابر أن التمويل الحكومي المخصص للصحة النفسية لا يزال محدودًا مقارنة بحجم الاحتياج، رغم الأهمية الكبيرة لهذا الملف، مؤكدة أن زيادة الوعي بأهمية الصحة النفسية تمثل خطوة أساسية نحو تعزيز الدعم المخصص لها.
وسأل مايكل ملاك عن الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في هذا السياق، فأكدت الدكتورة إيمان أهمية تحري الدقة في المعلومات المتعلقة بالصحة النفسية قبل نشرها أو تداولها.
وأضاف الدكتور نبيل أن الأعمال الدرامية قادرة على إحداث تأثير واسع في وعي الجمهور، مؤكدًا أهمية وجود تعاون مباشر بين المؤسسات الإعلامية والقنوات التلفزيونية والأمانة العامة للصحة النفسية والنقابات المهنية، من أجل تقديم صورة أكثر دقة ومسؤولية لقضايا الصحة النفسية.
أما أيمن سبيع فأشار إلى أن من أبرز التطورات الإيجابية خلال السنوات الأخيرة تزايد الاستعانة بالمختصين والاستشاريين عند إعداد بعض المواد الإعلامية، مؤكدًا أن الإشراف العلمي والتوجيه المهني يسهمان بشكل كبير في تحسين جودة الرسائل الإعلامية وتغيير النظرة المجتمعية تجاه خدمات الصحة النفسية.
ويُنظم المؤتمر مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) بالتعاون مع المعهد الفرنسي في مصر ومهرجان MedFest Egypt، في إطار دعم الحوار بين الإعلاميين والخبراء والجهات المعنية من أجل تطوير خطاب إعلامي أكثر وعيًا وإنسانية تجاه قضايا الصحة النفسية وتمكين المرأة
الموقع – مجلة الكترونية فنية شاملة elmaw2a3
