هذا المقال كتبته الاعلامية ريتا عازار عن# الملحن_ الكبير_ عاصي _الرحباني_ ونشرته عام 1986 في مجلة المسيرة الورقية ولاهميته نُعيد نشره في الموقع بخانة الارشيف لانه من المقالات المهمة
كتبت/ ريتا عازار(من الارشيف)
صبي اسمر مرح يغل بين اشجار الليمون في انطلياس تغويه رائحة الزهر يختبئ في قناطر طاحونة قرب النهر الفوار ويداعب بعفوية اوتار “الطنبور” (البزق).
وتضيق مسافات العمر ويموت رب البيت فتبدا رفقة عاصي والبزة الكاكية شرطياً صغيراً مسؤولاً عن عيلة كبيرة من ام وثلاث شقيقات واخوين وجدة…
ويجعل عاصي من شباك دير مار الياس برجاً للمراقبة ويشغف بالحان الاب بولس الاشقر، وينحني على الكمان تلميذاً للاب الكبير، وتبرز الموهبة في العزف والتأليف الموسيقي مع نشيد «قدوس» يلحنه عاصي فيتنبأ المعلم بشهرة واسعة للتلميذ وبمستقبل مرموق اذا تبع الفن على الاصول. وتنتشر عدوى الابداع في العيلة منصور يساعد عاصي في تمثيل فصول ضاحكة ويتلقى دروسا في الموسيقى. وتبدأ حكاية أخوين من اغان باسمة ناقدة تبرز صفات الاهل والجيران وعيوبهم وتتغنى بعيد الليمون في انطلياس، الى موسيقى وشعر شرقط فيهما الاخوان فالاحساس مرهف والملاحظة دقيقة وعشق الطبيعة والانسان والطهارة عظيم. فصار للبنان موسيقى تنحني لها موسيقى العالم.
في انطلياس، مرتع احلام الاخوين وملهمة كثير من اغنياتهم والمسرحيات. كثيرون يتذكرون عاصي الشاب خفيف الروح محب ينكت باستمرار…
السيد يوسف لويس ابو جوده رفيق الصبا يفتخر بعاصي فقيراً يعيل عيلته ويهيم بالفن فيغدو عبقريا يضج به الشرق والعالم. الشباب يوسف وعاصي وقبلان يلتقون في استمرار مرة في بيت يوسف تحت العريشة ومرة في بيت ام عاصي، فيعزف عاصي الحانه لرفيقيه ويسمعهما قبلان بعضا من شعره، ويقرا يوسف فصولا انتقادية لاذعة ضاحكة يكتبها بالعامية فيعجب عاصي بالفصول ويطلبها من رفيقه ليشرف عليها وشقيقه ويمثلها مع فرقة من شباب الجيران.

وتبدأ التمثيليات على سطوح المقاهي وعلى سطح مار الياس ويتجمع جمهور كبير يضحك يضحك، حتى ان يوسف وضع جائزة باسم المدرسة بقيمة ١٠٠ ليرة لمن يمنع نفسه عن الضحك وتتوالى الفصول من حديث راعي الماعز من حلبون الذي يرفض التكلم الا على العنزة ،والحليب الى حديث السيدات عن الخادمات والمعاش وكسل فلانة وشيطنة علتانة.
وجبنا العروس وجينا يا ام فليحان لاقينا
ويتفنن الاهل في ابراز شبويية فليحان ويختلفون على طريقة عقد ربطة العنق فبعضهم يريدها عقدة «شلعوطة» وآخرون يرفضون فيغير فليحان رأيه وشو بدي بهالمصيبي». وتكر الفصول اللاذعة سماسرة الحمير» و”اعزب دهر ولا ارمل شهر” و “جهل الكبار مالودبار» و «حمار مرتو وحلاق الضيعة» و« ورقة
دبابيس» و«ابر تحت الجلد» …
الاخوان رحباني وقبلان، يقول السيد يوسف اخذا مني الفصول ومثلاها وبعدما اشتهرا وذاع صيتهما في اروع المسرحيات واصبحا من نوابغ الفن، ظلا يذكران امام الجميع انني اغويتهما بالتمثيل. واين فصولي
من مسرحياتهما الرائعة».
ويتذكر السيد يوسف حين اتاه عاصي وكان يومذاك يعمل ومنصور في اذاعة الشرق الأدنى واخبره عن رسالة مجاملة ارسلتها اليه المغنية الناشئة فيروز عنونتها بعبارة «الموسيقار الكبير عاصي الرحباني»، فرد عليها شاكراً ورافضا لقب الموسيقار و البستني ثوباً فضفاضاً على جسد هزيل.
يوسف اضناه مرض عاصي ولا ينسى اخلاقه الدمثة، ويقول عاصي ومنصور وفيروز اقانيم ثلاثة في ذات خلاقة واحدة. شخصيات المسرح الرحباني نقلها الاخوان في بساطة ودقة وحلم من حياتهما الشخصية
ومحيطهما في قريتهما انطلياس .
رئيس البلدية السابق السيد وديع الشمالي يتذكر وزوجته السيدة نزهة مرح عاصي وموهبته في الموسيقى.
الجارة ام عاصي قصدت رئيس البلدية تطلب منه توظيف ابنها البكر في البلدية. فتعين شرطياً وشغل وظيفة كاتب ايضا لعدم توافر الامكانات كنت اتعاون معه، يقول السيد وديع وهو في سن المراهقة في اتخاذ قرارات البلدية وينسخها مرات عدة. كان ذكياً ودرس على الاستاذ فريد ابو فاضل، عاصي لم يكن شرطياً مشاغباً، يقوم بواجباته في دقة ويأخذ التعليمات من الريس ويدور في احياء انطلياس يراقب ولا يجازي احداً، الا بعد انذار.
عشق الموسيقى فتتلمذ على الاب بولس الاشقر واسست جوقة في كنيسة مار الياس وبعد شهرين من التمارين اسمع عاصي الاب بولس لحن «قدوس» فسر كثيرا، وتنبأ له امام الجميع بمستقبل باهر اذا اكمل رسالة الفن ودرس» .
الاب الاشقر طلب من رئيس البلدية ان يخفف من مهمات عاصي لينزل الى الكونسرفاتوار في بيروت، فرحب الريس وتفهم الوضع خصوصاً انه عضو في جوقة الكنيسة التي يقودها عاصي ومقتنع بموهبته، اذ كان يردد على مسامعه انا رئيسك في النهار اما في ساعات التمرين فانت رئيسي
ثم اسس نادي انطلياس واقترح الاعضاء التسعون اقامة عيد الليمون، فاسهم عاصي فيه وظهرت مقدرته على التنظيم والاشراف على عصبة من رفاقه.
وتغنى عاصى بليمون انطلياس في اغنية ذاع صيتها في بداية الأربعينات مع مجموعة من اغنيات له بثت عبر اذاعة الشرق الأدنى، تقول يللي جايي تتفرج ع انطلياس
من ليموناتا تحوج شي عشر كياس انطلياس المشهورا بأرضاتا
فاقت كل المعمــــــورا
نيالو العنـــــدو بورا
بجنيناتا بأرضاتا
بيعيش عيشي مستورا من أهنا الناس
یا ساخن يا جايينا من بلاد بعيد
وضايج من اخد الكينا ومش عم بتفيد
ع هالضيعا لاقينا بتحيا من جديد
ومن معصـور بساتينا خدلك شي كاس
وان كان بدك تساير شي صبيي
من هالضيعا يا شاطر خدلا هديي
ليمون كويس فاخر بالحربي
بيخلي العاشق شاعر كلو احساس
موال
یا اهل لبنان ليمون زرعو
بتعززو الاشجار وبتتنفعو
يطول بعمرو اللي كتب من قبلنا
صونو شجرکن ازرعو لا تقطعو
الاخوان الرحباني طبعت في بالهما صور طبيعة وأهل واصدقاء فنهلا منها وعرضاها في المسرحيات
اخبار السيد وديع وزوجته نزهة متنوعة عن مرح عاصي الشاب المربوع الجميل الاسمر،
ودقة ملاحظته . فهما عرفاه زائراً دائماً يأتي الى الرئيس لاخذ التعليمات وصديقاً وجاراً ينتقد هفوات الجميع بتحبب ويلصقها بجدته و قالت ستي ..
اخت نزهة روزيت عادت من فرنسا تعزف البيانو عند شقيقتها فصار عاصي يصغي الى عزفها ويسمعها عزفه على الكمان، علمته الاغاني الرائجة أنذاك La paloma. Tes yeux
.sont noirs comme la nuit وشجعته على تعلم الموسيقى.
ولا يمر يوم من دون أن يتحفنا عاصي بنكات . وغالبيتها، كما تقول السيدة نزهة ادرجها في مسرحيات الاخوين فعاصي اضحك قبيزة (حي في انطلياس) بمقلب دبره لجدته لامه مع منصور اذ كانت تبالغ في حديثها عن بستانها الفجلي بارضي وزنا ٥ كيلو بعت اليوم بقدونس بعشر ليرات فقصد الاخوان جارهما الجابي واستعارا منه ورقة ضريبة وسجلا رقم ٥٠٠ ليرة وختما الظرف بسدة قنينة منالماء الغازية المغطسة بالحبر، وبعثا بالرسالة الى جدتهما وهي لا تجيد القراءة، فقالا لها ضليت تخبري انو الفجلي طلعت 5 كيلو والبصلي كيلو، الدولي بعتتلك ضريبي بـ ٥٠٠ ليراء فصرخت يا تعتيري انا ارملي كل السني، ما بيع
بعشر ليرات. ويتردد مشهد المبالغة في كثير من المسرحيات.
ومن مواقف متنوعة استوحى عاصي اغاني ضاحكة وتقول السيدة نزهة تحت مدرسـة الراهبات دكان رتبه عاصي ومنصور يتمرنان فيه مع الفرقة فتطل بنات المدرسة من الطاقة . حشرية، فكتب عاصي طلي من الطاقا ان كنك مشتاقا ومن ورد خدودك زتيلي باقا.
وروزيت اخت نزهة متزوجة من مغترب غنىي تقيم في بيت اختها في زياراتها للبنان، وزواره كثر اقرباء زوجها من الجبل يحملون القريش والجبن ومن بيروت يحملون النوغا والبقلاوة
وكلما سأل عاصي عن الزوار تقول قرايب فكتب اغنية
ویا الله شو عندا قرايب
يا الله شو عندا حبايب
لولا بتترشح للمجلس
كانو بينتخبوها نايب
وتكبر البسمة على وجه السيدة نزهة وتخبر عن عاصي الشاب الساخر، كانت جارتهم سمينة
تزن ۹۰ كيلو غراما تأتي عند ام عاصي في استمرار وكلما سأل عنها تقول له امه جارتنا يا بني
فكتب
ولو قديشي ناصحا جارتنا
قد القلعا رح تخوتنا ..
ولأغنية عبدو حابب غندورا قصة ايضا فعبدو عنده مزرعة، ويشع جدا ومتزوج وتتهمه زوجته بانه يتردد على منزل غندورة جارتهما. وكثيرا ما كانت زوجة عبدو تشكو لام عاصي مأساتها وتقول “عم يحب عليي” فكتب
الاخوان: عبدو حابب غندورا وغيرا ما بدو وهالغندورا
مقفورا علقاني بعبدو
السيد وديع الشمالي لا ينسى جرأة عاصي وذكاءه الوقاد فالصبايا سخرن مرة من بزة الشرطة الصيفية التي يرتديها عاصي في عز کانون فطالب رئيسه بالبزة الشتوية.
لكن الأمر يأتي من القائمقام باستبدال البزات فسكت عاصي ولم ينس. ودعي رئيس
البلدية والشرطي الى حفل في حضور وزير الداخلية انذاك المحامي اميل لحود، وعلى طاولة الوزير المشغوف بالزجل، جهز عاصي ابياتا طالب بها الوزير بان يصدر أمر ارتداء البزات الشتوية، كي لا يموت من البرد فسر الوزير ورد سريعاً ببيت زجل ايضا طالبا من عاصي التريث فالمسائل مرهونة باوقاتها .
ظلت علاقة رئيس البلدية بعاصي قوية ، سافر الأول الى افريقيا في الخمسينات وتزوج عاصي من فيروز وسكنا عند الريس في الطبقة السفلى.
وفي كل عودة الى لبنان كان يقصد عاصي ويهنئه بالنجاح ويسر بموهبة اخوته.
الاخبار عن عاصي نهر لا يجف والقلم لا يفي عبقريا حقه، وهنيئا لعارفي عاصي فانهمل محظوظون وهنيئا لعشاق الموسيقى فان لهم اروع المقطوعات .
انطلياس بدلت ملامحها تكسرت اشجار الليمون المباني طمرت الأخضر طاحونة الذكريات على النهر شوهت ببراميل ورقع والجسر العتيق غمره النسيان ويسكن في الاغنيات.
في وداع عاصي شهرت انطلياس حزنها اغاني رحبانية تبث بمكبرات الصوت ويافطات ملو الزمان و انطلياس دخلت معك لبنان الابداع واستقبال بسيف وترس لناقل الفرح والوطن الحلم، فيروز رفيقته تنتظر قرب الجسر الجديد يأتي موكب الحبيب، يحمل التابوت رفاق عملوا معه وتتلمذوا في مدرسة الأخوين
منصور يمزقه فراق يشق اسميهما . يضم فيروزا جبارة في حزنها، بيكيان اقنوما من ثلاثة، وتغمر
ابنتيها ليال وريما، الحزن عظيم، الياس يسنده ولداه غاب شقيق واب ومعلم الأهل يجللهم السواد يمشون وراء الموكب مع اهالي انطلياس وتلاميذ عاصي. معارفه القدامى يوسف وديع
وجوزف كلهم يستعيدون لحظات غالية. وفي درب مشاها ٦٣ عاما مشى الموكب على الراحات محمولا و يا ساكن العالي طل من العالي، يصلي الصوت العظيم من مكبرات الصوت ويصل الجثمان الى كنيسة تطل على أخرى شهدت بداية نبوغ الأخوين
الناس في خشوع ويصدح صوت الشاعر سعيد عقل ليرشق امير الفن بصوت فيروز يللي خلتو يلعلع باسمنا بكل الدني… وتصمت بعد الكلمات. صحيح أن زيت القنديل شح، و”سرب” عاصي. لكن الحانه وشعره تحاكي ابدأ الفرح والتعب والحزن والقرية والتاريخ والموت والطفولة والحلم بشعب ينذر للبوابة ويطرد
غرباء، فيصير لبنان “ملو الدني”.
الموقع – مجلة الكترونية فنية شاملة elmaw2a3

