لبنان أحوج اليوم إلى ملح القيم ونور الحقيقة… ووطن أعطى أمثال الحويّك لا يُيأس منه
احتفل #صاحب_ الغبطة_ والنيافة _الكاردينال _مار_ بشارة _بطرس_ الراعي_ بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، بقداس الشكر على #تطويب _البطريرك _مار_ الياس_ بطرس_ الحويّك_ في دير العائلة المقدسة المارونية في عبرين، بالقرب من ضريح الطوباوي الجديد.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظة بعنوان: «أنتم ملح الأرض… أنتم نور العالم» (متى 5: 13-14)، استعاد فيها سيرة البطريرك الحويّك الروحية والكنسية والوطنية، متوقفًا بصورة خاصة عند تأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، ودوره في ولادة لبنان الكبير، ومفهومه العميق لمحبة الوطن، وصولًا إلى دعوة المسؤولين إلى استعادة معنى الخدمة العامة، وتوجيه تحية خاصة إلى الجيش اللبناني في عيده.
«أنتم ملح الأرض… أنتم نور العالم»: هوية المؤمن ورسالته
استهل الراعي عظته بالتأكيد أن كلمتي المسيح: «أنتم ملح الأرض… أنتم نور العالم» تختصران هوية كل مؤمن ومؤمنة ورسالتهما، إذ إن المؤمن مدعو إلى أن يكون «ملحًا يعطي نكهة ويحفظ من الفساد، ونورًا لا يعيش لنفسه بل يضيء الطريق للآخرين».
وأشار إلى أن هذه الهوية الإنجيلية تجلّت في حياة الطوباوي البطريرك الياس بطرس الحويّك، الذي طبعت العناية الإلهية مختلف مراحل حياته: طالبًا إكليريكيًا في لبنان وروما، وكاهنًا في عبرين، وأسقفًا متقدًا، وبطريركًا كبيرًا. ولفت إلى أن شعار حياته كان «إلهي رضاك»، وأن أعماله اتكلت على «العناية الإلهية»، فيما بقيت عبارة «الله يدبّر» تعبيرًا عن ثقته الراسخة بالله.
وأكد أن الكنيسة، ومعها جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات وبلدة حلتا البترونية، مسقط رأس الطوباوي، ولبنان والنطاق البطريركي وبلدان الانتشار، بل جميع اللبنانيين، يرفعون الشكر لله على نعمة إعلان البطريرك الحويّك طوباويًا.
لبنان أحوج اليوم إلى «ملح القيم ونور الحقيقة»

وانتقل البطريرك الراعي من البعد الروحي للنص الإنجيلي إلى بعده الوطني، معتبرًا أن كلمة المسيح ليست موجهة إلى ضمير الكنيسة وحدها، بل أيضًا إلى «ضمير الوطن».
وقال إن لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى أن يستعيد «ملحه ونوره»: «ملح القيم التي تحفظ الدولة من الفساد والتفكك، ونور الحقيقة الذي يبدد الالتباس ويعيد وضوح الطريق».
واستحضر في هذا السياق شخصية البطريرك الحويّك، مؤكدًا أنه لا يمكن فصل قداسته عن لبنان، فهو رجل اتكل على العناية الإلهية، لكنه لم ينتظرها مكتوف اليدين، بل «صلّى وآمن وتحرك ووثق بالله وتحمل مسؤوليته»، فتحول إيمانه إلى أعمال وإنجازات، ومن هذه الرؤية خرج وطن اسمه لبنان.
السلطة خدمة لا امتياز
وحدد الراعي مفهوم «الملح والنور» في ممارسة المسؤولية الوطنية، مشددًا على أن رسالة المسؤول هي أن يكون ملحًا يحفظ المؤسسة التي اؤتمن عليها من الفساد، وأن يصون المال العام، ويحترم القانون، ويضع كرامة المواطن فوق المصالح، وأن يكون نورًا يقول الحقيقة ويتحمل مسؤولية القرار، ويمارس السلطة «كخدمة لا كامتياز».
وشدد على أن لبنان يحتاج إلى هذا الملح في الإدارة والقضاء والمؤسسات، وفي التربية والاقتصاد والمجتمع، كما يحتاج إلى هذا النور في القرار الوطني، وفي ممارسة المسؤولية، وفي كل موقع يُصنع فيه مستقبل اللبنانيين.
وأكد أن الدولة تستعيد هيبتها «بمؤسسات تعمل، والعدالة بقضاء يقوم بواجبه، والثقة بأفعال تسبق الوعود».

الحويّك «رجل الله والعناية والرؤية والوطن»
واختصر البطريرك الراعي سيرة الطوباوي الحويّك بأربعة أبعاد مترابطة، فقال إنه كان «رجل الله» إذ جعل المشيئة الإلهية فوق مشيئته، و*«رجل العناية»* إذ وثق بالله في أصعب الظروف من دون أن يتخلى عن مسؤوليته، و*«رجل الرؤية»* إذ رأى في التربية بناءً للإنسان وفي الخدمة بناءً للمجتمع، و*«رجل الوطن»* إذ فهم أن محبة لبنان لا تكون بالشعارات، بل بالتضحية والعمل والدفاع عن كرامة شعبه.
وتوقف عند إنجازين كبيرين في مسيرته: تأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، ولبنان الكبير الذي انتزعه من مؤتمر الصلح في فرساي سنة 1919.
جمعية راهبات العائلة المقدسة: رسالة روحية واجتماعية ووطنية
وتناول الراعي بإسهاب تأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، مشيرًا إلى أن البطريرك الحويّك أرادها، بغاياتها الثلاث: الروحية والاجتماعية والوطنية، تجسيدًا لدعوة أن يكون المؤمن «ملحًا للأرض ونورًا للعالم».
وأوضح أن مراسلات الحويّك والقوانين التي وضعها مع الراهبات المؤسِّسات تكشف هوية الجمعية وروحانيتها وموهبتها الخاصة. فمنذ بداية حياته الكهنوتية راودته فكرة تأسيس جمعية رهبانية نسائية مارونية مخصصة لمدارس القرى المتواضعة وتربية الفتيات، انطلاقًا من اقتناعه العميق بأهمية العائلة في بناء المجتمع والوطن، وبأهمية تحصينها بقيم عائلية صحيحة.
وأشار إلى أن الحويّك أراد الجمعية على اسم العائلة المقدسة، مؤمنًا بأن قداسة هذا الاسم تدفع بالراهبات إلى التمثل بالعائلة المقدسة في الناصرة، وعيش فضائلها ونشرها بين العائلات، ولا سيما من خلال تربية الفتيات.
وذكّر بأن الحويّك، على الرغم من كونه المؤسس الفعلي للجمعية بمساعدة الأم روزالي نصر سنة 1895، كان يعتبر أن «الله هو المؤسس الحقيقي للجمعية»، وأن الله بعنايته ورحمته هو الذي أنشأها ويرعى مسيرتها.
كما توقف عند استشهاد الأم روزالي في بدايات مسيرة الجمعية، مشيرًا إلى أن الحويّك اعتبر استشهادها «تأييدًا إلهيًا»، ورأى أن دم الشهادة يستمطر على الراهبات والجمعية البركات السماوية، ويصبح بذارًا خصبًا لنمو الجمعية ورسالتها.
من فرساي إلى لبنان الكبير: نضال من أجل كيان مستقل
وفي الشق الوطني من العظة، استعاد الراعي نضال البطريرك الحويّك من أجل لبنان الكبير، مشيرًا إلى أنه ناضل من أجل انتزاع كيان لبنان الكبير، دولة مستقلة ذات حدود طبيعية، وعمل داخليًا على صمود هذا الكيان.
وذكّر بمسيرته منذ مؤتمر الصلح في فرساي سنة 1919، وصولًا إلى إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920، ثم مواصلته العمل من أجل تثبيت هذا الكيان حتى وفاته في 24 كانون الأول 1931.
كما أشار إلى أن الحويّك أصدر سنة 1930 منشورًا بعنوان «محبة الوطن»، استهله بالتأكيد أن للإنسان وطنين: وطن الأرض ووطن السماء، وأن الإنسان مدعو إلى محبة وطنه الأرضي فيما يتطلع إلى الوصول بعد هذه الحياة إلى الوطن السماوي السعيد والثابت.
«محبة الوطن» عند الحويّك: ليست شعارًا بل واجبًا ومسؤولية
وتوقف الراعي مطولًا عند مفهوم الحويّك لمحبة الوطن، ناقلًا عنه أن «محبة الوطن طبيعية، من تعرّى منها أصبح مسخًا ممقوتًا من الجميع، لأنه في محبته لوطنه محبته لذاته».
وأوضح أن الحويّك رأى أن الوطن يقدم للإنسان ما يلزم للحياة بنظامها الطبيعي، ويؤثر في العقل والنبوغ، ويحمل اللغة التي تلقنها الأبناء على صدور أمهاتهم، ويحفظ أمثلة الأجداد وتراثهم، ويشكل المجال الذي تنمو فيه حياة المجتمع الاقتصادية والوطنية.
ولفت إلى البعد المسيحي الذي أعطاه الحويّك لمحبة الوطن، ففيه مياه المعمودية، ومن خبزه وخمره يُتناول جسد الرب، ومن حجارته تُبنى الكنائس، وفي ترابه تستريح رفات الأجداد، فيما يكشف تاريخه عناية الله به على مدى الأجيال.
نداء الحويّك إلى المسؤولين: المصلحة العامة فوق المصالح الخاصة
وفي محطة بارزة من العظة، استعاد البطريرك الراعي كلامًا للحويّك موجّهًا إلى أهل السلطة، حذّرهم فيه من تحويل المسؤولية إلى امتياز شخصي، ودعاهم إلى إدراك أنهم مؤتمنون على المصلحة العامة.
ونقل عنه قوله: «أنتم أيها المسلطون، أنتم يا أولياء الأمور، أنتم يا قضاة الأرض، أنتم يا نواب الشعب الذين تعيشون على حساب الشعب… ملتزمون بصفتكم الرسمية، ومن قبل مهمتكم، أن تسعوا وراء المصلحة العامة».
وشدد الحويّك، كما أورد الراعي، على أن الحكم ليس ملكًا لأصحاب السلطة، بل للدولة والوطن اللذين يمثلونهما، وأن المسؤول لا يستطيع أن يضحي بالمصلحة العامة من دون أن يخون الحق ويخرق واجب الأمانة.
وبذلك أعاد الراعي إلى الواجهة تعليم الحويّك حول المسؤولية العامة، القائم على أولوية الوطن والمصلحة العامة والحق والأمانة، في مقابل المصالح والامتيازات الخاصة.
في عيد الجيش: «جيشنا كرامتنا وعزتنا وسياج الوطن»
وتزامن قداس الشكر مع الأول من آب، عيد الجيش اللبناني، فخص البطريرك الراعي المؤسسة العسكرية بتحية وطنية، مؤكدًا أن هذا العيد هو «عيد لكل لبنان»، وأن المؤسسة العسكرية تمثل نقطة لقاء وطنية بين اللبنانيين.
وقال: «من عبرين، وفي قداس الشكر هذا، نتوجه بتحية وفاء واعتزاز ومعايدة إلى جيشنا اللبناني، قيادة وضباطًا ورتباء وأفرادًا، وإلى شهدائه وجرحاه وعائلاتهم».
وأضاف أن الجيش هو «سياج الوطن، وحارس الأرض، وضمانة الاستقرار»، مؤكدًا أن اللبنانيين يريدون هذه المؤسسة دائمًا قوية وموحدة وقادرة على القيام برسالتها الوطنية، ومصليًا من أجل كل عسكري يقف في موقعه حاملًا لبنان في قلبه وساهرًا على أمن شعبه.
وشدد على أن الوطن الذي آمن به الحويّك يحتاج اليوم إلى دولة قوية بمؤسساتها، وإلى جيش قوي بوحدته وعقيدته الوطنية، وإلى مواطن قوي بإيمانه بوطنه.
«لا نيأس من وطن أعطى أمثال الحويّك»
وفي رسالة رجاء للبنانيين، أشار الراعي إلى أن الحويّك عرف زمنًا لم يكن أقل قسوة من الزمن الراهن، لكنه لم يستسلم، ولم يقل إن لبنان انتهى، بل آمن به وعمل من أجله.
وخلص إلى القول: «هذا هو الدرس الذي نحتاج إليه اليوم: لا نيأس من وطن أعطى أمثال الحويّك».
وفي ختام عظته، دعا المؤمنين إلى الصلاة بشفاعة الطوباوي مار الياس بطرس الحويّك، لكي يجعل الله الجميع «ملحًا ونورًا في مجتمعنا»، رافعين المجد والشكر لله «الآن وإلى الأبد. آمين».
الموقع – مجلة الكترونية فنية شاملة elmaw2a3