بقلم/ د. لينا الطبال
انا #اليسار_ الشهيدة_
انا اليسار واتكلم الآن، لان الجميع استعاروا صورتي لتزيين حساباتهم وتكلموا باسمي، وأصبحتُ خبرًا يتسابقون للتأسف عليه.
انا لستُ جثمان بارد ولا جثة…
انا ولدتُ مثلكم. كنت جسدا من لحم ودم، وإنسانة لها اسم، كانت لي حياة ومستقبل انطفأ بالإهمال.
انا اليسار، سقطت تحت بناء انهار في القبة،
سقطت لان الدولة فشلت في ابسط وظائفها: حمايتي.
هل تصدقون ان السياسيين تذكروني سريعا؟؟
أنا أليسار،# ابنة _طرابلس_ التي سقط فوقها سقف الوطن. هل رأيتم السياسيين الذين زاروا أنقاضي؟ هم لا يتذكروننا الا بعد الانهيار. أتوا اليّ بملابسهم الأنيقة، جاؤوا الى المبنى المهدم في القبة. هل تصدقون؟ القبة، المنطقة التي لا يمر بها سياسي الا عند الموت.
وقفوا امام الكاميرا، وتحدثوا عن الوجع وعن المأساة وعن طرابلس. التقطوا صورهم بوجوه حزينة مصطنعة، ثم عادوا لكي “يتعشوا” في مطاعم العاصمة الدافئة، بينما أهلي في الجنوب يفترشون الأرض ويلتحفون السماء على انقاض منازلهم…
اعتذر منكم لانني اطلتُ في الخروج، فالغبار والركام خَنَقا رئتيّ لعدة ايام… هل جرّبتم الموت تحت الانقاض؟
هذا الموت البطيء، هو نفسه الذي يعيشه اهل الجنوب وغزة، تحت قصف العدو الذي لا يرحم.
البيوت التي تقصفها الطائرات الاسرائيلية، تشبه تماما المبنى الذي سقط فوقي في القبة… الفرق الوحيد ان موتي كان بلا طائرات، لكن موتهم هو دائما مرافق بصوت الطائرات… والنتيجة هي واحدة.
يا حكومة “السيادة المخروقة”، عن اي سيادة تتحدثون وانتم لا تتجرؤون على اصدار بيان يحمي قرى الجنوب، التي تمسحها طائرات العدو عن الخريطة؟
ابطالنا في سجون الاحتلال أسرى، وانتم صامتون في سجون مصالحكم…
تُروجون للتطبيع مع “اسرائIيل” كطوق نجاة، لكنني من مكاني هذا فوق في السماء، أرى الحقيقة: الركض خلف إرضاء العدو هو انتحار جماعي، لان التطبيع لا يبني اقتصاد وطن ولا يمنحه السلام…التطبيع يبني تبعية فقط وهزيمة ووصمة عار.
في منطق السوق النيوليبرالي، التطبيع لا يجري اعتباره خطأ، لأنه يفتح الأسواق بلا حماية ويسحق الإنتاج المحلي.
هذا المنطق لن يخلق لكم وظائف على العكس، سينتج فائضا بشريا، وجيشا من الفقراء يقتات على موائد الأغنياء، وجيوشا من العاطلين عن العمل والجائعين والمهاجرين.
هم يريدون للغني أن يصبح أكثر غنىَ، وللفقير أن يصبح أكثر فقراً، لذلك يوهمونكم بالتطبيع وبالرخاء.
الاقتصاد الذي لا يحمي الفقراء في طرابلس، ولا يدعم صمود المقاوم في الجنوب، هو اقتصاد يعمل ضد المجتمع وضد الشعب… هذا هو التعريف الدقيق لاقتصاد الاستسلام. اقتصاد يُضحي بمصالح شعبه، سعيا منه الى ارضاء العدو، وما يتم طرحه بوصفه سلام، هو شكل من اشكال الاستسلام والهزيمة.
رسالتي اليكم يا شعبي: لا تصدقوا دموع التماسيح التي ذرفوها على ركامي في القبة.
انا لستُ شخصية في رواية انتخابية، انا صرخة الجنوب في قلب الشمال.
من يسكت عن خرق السيادة في عيتا، هو نفسه من تركني اموت تحت حجارة بيتي في القبة.
انا اليسار… روحي صعدت الى السماء، لكن صرختي باقية هنا، في صمودكم وفي رفضكم للانحناء، لا تبيعوا دماءنا بوعود تطبيع، لن تجلب الا الخراب والفقر ومنازل مهدمة.
أنا أليسار.. وأتكلم الآن… هل تعتقدون أن الموتى لا يتحدثون؟
اكثر ما يقض مضاجع الظالمين ليس صراخ الأحياء، انما صوت الذين سلبتموهم الحق في الحياة…
أنا أليسار الشهيدة.. كان لي أب وأم وعائلة يملؤون دنياي بالحب… كان لي في خزانتي فساتين جميلة خبأتها لمناسبات لم تأتِ، وكان لي أحلام صغيرة كبرت معي تحت سقف كنت أظنه آمناً… كان لي مستقبل رسمته بألوان زاهية…
أنا ابنة طرابلس التي لم تطلب منكم سوى حقها في الحياة…
الموقع – مجلة الكترونية فنية شاملة elmaw2a3